أدلة موثقة
حكومة بريطانيا قاست فجوة الذكاء الاصطناعي بين المفتوح والمغلق
اختبر AISI قدرات سيبرانية حقيقية على GLM-5.2 وDeepSeek-V4-Pro. الفجوة في المهام الضيقة صارت تُقاس بالأشهر لا بالفئات -- لكن اختبارًا ثانيًا يكشف أين لا تزال قائمة.
الادّعاء الذي يكرره الجميع دون دليل
حكومة بريطانيا وضعت أخيرًا رقمًا حقيقيًا على سؤال يتجادل حوله قطاع الذكاء الاصطناعي منذ سنوات دون دليل فعلي: كم تتأخر النماذج مفتوحة الأوزان عن النماذج المغلقة فعلًا. معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني، AISI، اختار المجال الوحيد الذي يملك فيه الجواب أثرًا حقيقيًا، القدرة السيبرانية الهجومية، ونشر أول قياس علني لهذه الفجوة.
كل بضعة أشهر يعلن أحدهم في أوساط الذكاء الاصطناعي أن الفجوة بين المفتوح والمغلق أُغلقت، ويعلن آخر أنها لن تُغلق أبدًا لأن النماذج المفتوحة ستتأخر دائمًا في أصعب المهام. الطرفان عادة يستدلّان بالانطباع لا بالرقم: لقطة شاشة من لوحة ترتيب، حكاية واحدة عن مهمة برمجية، أو نص تسويقي من شركة نموذج. تقرير AISI مختلف لأنه معهد أمن حكومي يقيس قدرة أمنية حساسة بمجموعة اختبار ثابتة، لا شركة تنشر رقمًا عن نموذجها الخاص.
ما قاسه AISI فعليًا
اختبر AISI نموذجين مفتوحي الأوزان، GLM-5.2 وDeepSeek-V4-Pro، مقابل الصدارة المغلقة عبر 70 اختبارًا سيبرانيًا ضيّقًا ومحدّدًا. هذه ليست أسئلة غامضة من نوع "هل يستطيع الاختراق؟"، بل مهام تقنية دقيقة من النوع الذي يظهر فعليًا في عمل فريق اختبار اختراق حقيقي: تمييز فئة ثغرة في كود معيّن، بناء استغلال يعمل لنمط ثغرة معروف، وتسلسل تقنية موثّقة ضد هدف محدد.
في هذه المجموعة، بات GLM-5.2 أقرب أداءً إلى Claude Opus 4.6، نموذج صدر قبله بـ4.3 أشهر فقط. أما DeepSeek-V4-Pro فيقع بين Claude Opus 4.5 وGPT-5، النموذجان اللذان صدرا في نوفمبر وأغسطس من العام الماضي. ويوضّح AISI أن هذا قياس اتجاه لا رقمًا لحظيًا: النماذج المفتوحة الحديثة تتأخر عن الصدارة المغلقة بـ4 إلى 7 أشهر في هذه الشريحة الضيقة، بينما كان التأخر طوال معظم العام الماضي يتراوح بين 6 و10 أشهر. ويصف AISI هذا بأنه أول تحليل علني لهذه الفجوة تحديدًا، وهو ما يهم: هذا خط أساس ينوي المعهد إعادة قياسه باستمرار، لا رقمًا عابرًا لمرة واحدة.
وثمة تفصيل استشرافي مدفون في التقرير نفسه يستحق أن يُحمل معنا: يذكر AISI أنه ينوي اختبار Kimi K3، أحدث نموذج مفتوح الأوزان كبير، على القاعدة نفسها فور صدور أوزانه للعلن. المنهجية هنا ليست لقطة لمرة واحدة حول أبرز نموذجين مفتوحين اليوم، بل أداة قياس دائمة ينوي المعهد توجيهها إلى كل ما يصدر لاحقًا.
حيث تنقلب القصة: المهام طويلة الأفق
الاختبارات الضيقة نصف القصة فقط. الاختبار الثاني كان ساحة سيبرانية باسم The Last Ones، مبنية على مهام طويلة الأفق، عمليات تتطلب تسلسل عدة قدرات معًا بدل الإجابة عن سؤال تقني واحد ضيّق. هذا أقرب لما تبدو عليه عملية هجومية حقيقية: استطلاع ثم استغلال ثم تثبيت، وكل خطوة تعتمد على سابقتها.
هنا تعود الفجوة للاتساع. وصل GLM-5.2 إلى مستوى Claude Opus 4.5، نموذج صدر قبله بنحو 7 أشهر، وهي مسافة تأخّر أوسع من نتيجة الاختبارات الضيقة. أما DeepSeek-V4-Pro فوقع دون مستوى Sonnet 4.5، وهو أصلًا نموذج دون الصدارة المغلقة وصدر قبله بـ7 أشهر. وتعبير AISI نفسه: "الفجوة هنا أكبر مما هي عليه في مهامنا السيبرانية الضيقة".
قراءة AISI لسبب تباين النتيجتين تستحق التوقف عندها: قد تبدو النماذج المفتوحة قوية بشكل لافت في المهام الضيقة المحدّدة جيدًا. ومع ذلك قد تفتقر إلى قدرة التعميم. يصفها التقرير بأنها اللازمة لإبقاء عملية طويلة متماسكة من أولها لآخرها. قد يجيب نموذج عن سؤال صعب بإتقان، ثم يفقد الخيط بعد ثلاث خطوات في خطة تعتمد على نجاح الخطوتين الأوليين. القدرة الضيقة والقدرة المستدامة المتراكمة ليستا قياسًا واحدًا، وهذا من أوائل التقارير التي تضع رقمًا للفرق بينهما تحديدًا في العمليات السيبرانية.
لماذا يتعامل AISI مع هذا كأمر عاجل لا أكاديمي
لا يقدّم AISI هذا كفضول بحثي مثير. تصريحه المباشر: الفجوة بين الصدارة التي تتحكم بها حفنة من الشركات، والصدارة التي يمكن لأي شخص تنزيلها وتشغيلها بنفسه، آخذة في التقلّص. وبكلمات AISI نفسها: أمام المدافعين السيبرانيين نافذة قصيرة للاستعداد قبل أن تصبح قدرات الصدارة السيبرانية اليوم متاحة دون الضمانات نفسها التي تبنيها الشركات المالكة حول نماذجها.
هذه الجملة وحدها تحمل الكثير. شركات الصدارة المغلقة تضع ضوابط وصول ومراقبة استخدام وتدريبًا على الرفض حول أقوى نماذجها تحديدًا لأن تلك النماذج قادرة بما يكفي لإحداث ضرر حقيقي في الأيدي الخطأ. أما النموذج مفتوح الأوزان الذي يصل القدرة الضيقة نفسها فيصدر دون أي من ذلك. الأوزان نفسها هي المنتج، ولا يقف أحد بين النموذج وبين من يُنزّله. يقول AISI، على السجل، إن فجوة القدرة التي كانت تمنح المدافعين وقتًا لبناء إجراءات مضادة تتقلّص أسرع مما يفترضه التخطيط المؤسسي عادة.
ماذا يعني هذا فعليًا إن كنت أنت من يختار النموذج الذي يشغّل عملك
اختيار النموذج كان يحمل اختصارًا تقريبيًا منذ سنوات: المغلق المكلف يعني قدرة، المفتوح المجاني يعني خطوة متأخرة، وأي قرار متعلّق بالأمن يذهب افتراضيًا لأي نموذج مغلق يبيعه المزوّد أصلًا. هذا الاختصار يفقد موثوقيته مع كل ربع تصدر فيه بيانات كهذه.
إن كان عملك يلامس أي جانب أمني، مراجعة كود بحثًا عن ثغرات، تحليل سجلات، نمذجة تهديدات، فرز ثغرات، تدقيق تبعيات، فلا تفترض تلقائيًا أن النموذج المفتوح في مجموعة أدواتك هو الحلقة الأضعف في تلك المهمة الضيقة. أرقام AISI في الاختبارات الضيقة تقول إن الفجوة في فحوصات المهارة التقنية المحددة تُقاس الآن بالأشهر لا بالفئات. اختبر المهمة الضيقة التي تحتاجها فعليًا على خيار مفتوح وآخر مغلق قبل أن تقرر، بدل الاعتماد الافتراضي على أي عقد تملكه أصلًا.
لا تنقلب للاستنتاج المعاكس كليًا أيضًا. نتيجة المهام طويلة الأفق هي ما يجب أن تتمسك به إن كان عملك أقرب لعملية مستدامة متعددة الخطوات لا مهمة واحدة محددة: نموذج مفتوح يشغّل عملية طويلة غير مُشرَف عليها على أنظمة حساسة لا يزال متأخرًا بشكل ملموس مقارنة بأي خطوة ضيقة منفردة داخل تلك العملية. إن كان عملك الفعلي أقرب لهذا الشكل، وكيل طويل التشغيل يعمل بصلاحيات حقيقية على بنية تحتية حقيقية، فإن فجوة الصدارة التي قاسها AISI حقيقية وقائمة الآن، ولا تتقلّص على الجدول الزمني نفسه لفجوة المهام الضيقة.
القاعدة العملية التي تدعمها هذه البيانات فعليًا أضيق وأنفع من "النماذج المفتوحة لحقت بالركب" أو "النماذج المفتوحة لا تزال متأخرة": طابِق تقييمك مع الشكل الفعلي لمهمتك، ضيقة أم طويلة الأفق، وأعد ذلك التقييم المحدد كل بضعة أشهر. AISI نفسه يخطط لإعادة قياسه فور صدور أوزان Kimi K3. سمعة قدرة كانت دقيقة قبل ستة أشهر ليست حقيقة يمكنك الاعتماد عليها دون إعادة التحقق، لأن الأداة التي بناها AISI للتو وُجدت تحديدًا لإثبات أن السمعة في هذا المجال تبلى خلال أقل من عام.
ما تستبعده كلمة "ضيقة" وما لا تستبعده
يستحق الأمر دقة في وصف ما يقيسه الاختبار السيبراني الضيق، لأن كلمة "ضيقة" تقلّل من أهميته. يصف AISI هذه بأنها فحوصات قدرة محددة، النوع الدقيق من المهارة التقنية التي تعتمد عليها عملية هجومية أو دفاعية حقيقية: تمييز فئة ثغرة في كود معطى، بناء استغلال يعمل ضد نمط ثغرة معروف، وتسلسل تقنية موثّقة بشكل صحيح ضد هدف محدد. لا شيء من هذا تافه. نموذج ضعيف هنا سيكون عديم الفائدة في أي سير عمل أمني جاد، سواء يشغّله شخص خطوة بخطوة أو يُدمج في خط أنابيب أطول.
ما لا تقيسه الاختبارات الضيقة هو نمط الفشل المتراكم الذي يظهر عبر عملية طويلة: تتبّع الحالة عبر عشرات الخطوات، التعافي من خطوة لم تسر كما خُطط لها، إبقاء خطة متماسكة حين تتفاعل البيئة بشكل غير متوقع مع خطوة سابقة. هذا بالضبط ما بُنيت ساحة AISI طويلة الأفق لكشفه، وهذا بالضبط سبب اختلاف نتيجتي الاختبارين حول النماذج نفسها. قد يتفوق نموذج في فحوصات المهارة الفردية، ثم ينهار حين تحتاج تلك الفحوصات للتسلسل داخل حملة حقيقية.
تحويل هذا إلى تقييم فعلي، لا مجرد استنتاج
الخطوة المفيدة هنا ليست حفظ الأرقام المحددة. سيعيد AISI قياسها، وستتحرك الأرقام، وسيعيد ظهور Kimi K3 وحده ترتيب مكان الفئة المفتوحة فور صدور أوزانه. الخطوة المفيدة هي استعارة بنية AISI الثنائية في المرة القادمة التي تقرر فيها أي نموذج يتولى مهمة أمنية.
أولًا، افصل مهمتك الفعلية إلى ضيقة أو طويلة الأفق قبل أن تقيّم أي شيء. مراجعة كود واحدة، رصد شذوذ واحد في سجل، قرار فرز ثغرة واحد، هذه مهام ضيقة، وهذا التقرير يقول إن المسافة بين المفتوح والمغلق فيها تقلّصت إلى مسألة أشهر. وكيل دائم يراقب ويفرز ويعالج دون مراجعة بشرية لكل خطوة، هذه مهمة طويلة الأفق، وهذا التقرير يقول إن المسافة فيها لا تزال حقيقية وأوسع.
ثانيًا، شغّل المهمة نفسها على بياناتك الحقيقية أو ما يشبهها على خيار مفتوح وآخر مغلق، وتتبّع أمرين فقط: هل وصل النموذج لإجابة صحيحة أصلًا، وكم احتاج ليصل إليها من دورات ونداءات أدوات وإعادة محاولات. منهجية AISI تتبّعت هذين البعدين لسبب وجيه: قد يصل نموذجان للإجابة الصحيحة نفسها بينما احتاج أحدهما دعمًا وإشرافًا أكبر بكثير للوصول إليها، وهذا الفرق يهم بقدر النجاح أو الفشل الخام حين تكون أنت من يدفع كلفة الحوسبة ويراجع الناتج.
أعد تشغيل الاختبار الضيق نفسه بعد بضعة أشهر. الرقم المهم في هذا التقرير لم يكن اللقطة اللحظية أبدًا، بل أن خط الاتجاه تحرّك من تأخّر 6 إلى 10 أشهر إلى تأخّر 4 إلى 7 أشهر خلال عام واحد. وأيًا كانت النتيجة حين تعيد قياس الفجوة على مهمتك أنت، فستخبرك أكثر بكثير مما سيخبرك حفظ رقم اليوم أبدًا.